من العم توم إلى باراك أوباما
بقلم : خليل الشيخة
- نشؤ الرق وانهياره:
لاشيء يقف ثابتاً في هذا العالم ، بل كل مانرى أمامنا عالم متغير نشط يتسع ويرتقي. فمنذ أن نشرت الروائية بيتشر هاريت ستو روايتها (كوخ العم توم) والأمور تسير نحو تشكل نظام أكثر هيكلية يحتوي على مضامين انسانية راقية. وان لم تكن النخب العليا تبتغي ذلك.
نشرت رواية هاريت في منتصف القرن التاسع عشر واعجب بها الكثيرون ومنهم كان الرئيس الامريكي انذاك (إبراهام لنكلن) صاحب مشروع العتق وتحرير العبيد . وقد صُنَفت الرواية بأنها كلاسيكية ومازالت من الأعمال الامريكية الرائعة. وهذا لاينحصر بالعامل الروائي فقط بل يتعداه ليكوَن وثيقة تاريخية بالغة الأهمية اذ أنها تشهد في تفاصيلها انهيار نظام عمره لايقل عن خمس الالاف سنة أو يزيد. رغم أنه أرََخ له منذ أيام حامورابي. لكن ما إن تشكل حتى أصبح مؤسسة رسمية متداخلة بكل نشاطات الحياة والمجنمع . ولذلك لم تستطع أعتى الامبرطوريات في التاريخ التخلي عنه أو تركه رغم شكله النشاذ الظالم الغير إنساني ، وأضحى جزءاً من الحياة وقدراً قبلته جميع الاديان وشرعته ونظمته كجزء من قوام المجنمع القديم. وكما يخبرنا علم الانثروبلوجيا والتاريخ عن بداية الرق فإنه بدأ مع الحروب والنزاعات ، ولكن النزعات لوحدها لم تكن سبباً للرق بل كان على البشرية أن تتعدى مرحلة طويلة من التجمع والعمل في الأرض ، وتلك الأرض كانت السبب الأول في استرقاق البشر لبعضهم البعض وتحويل العمل البشري إلى سلعة بيد الأقوياء.
من قبل ذلك، عندما كانت البشرية تعتمد في معيشتها على مرحلة أدنى حيث أعتمدت في قوامها على الصيد وقطف الثمار المتواجدة على الاشجار كان كل مايقع في الأسر يقتل ويُأكل من قبل المنتصر . فما أن تنهزم مجموعة بشرية أمام مجموعة أخرى حتى تبدأ القوية بقتلهم جميعا وقد تبقي على النساء لغاية التناسل. وهذا أول أشكال التمازج بين البشر، واصبحت وجبة اللحوم البشرية من أفخر الوجبات على الاطلاق . وهذا ماجعل معظم الأديان الوثنية القديمة تقدم أضحياتها من البشر سواءً كان ذلك من النساء ام الرجال لمَ في ذلك من وجبة فاخرة للألهة التي كانت على هيئة بشرية أو مزيج بين البشرية والحيوانية وبسبب ذلك أقتضى على الخيال البشري أن يعتقد بأن هذه الآلهة بحاجة إلى الطعام والشراب مثل الانسان . ويخبرنا الباحث الشهير ول ديورنت بالتفاصيل في الجزء الأول من مؤلفه الضخم (قصة الحضارة) عن كيفية أكل البشر حتى نهاية القرن التاسع عشر حيث كانوا يربون النساء والاطفال كما نحن نربي الحيوانات لغاية ذبحها وبيعها ، وكان يروي لنا بالتفصيل عن تلك المناطق في غياهب أفريقيا. ومن تلك المرحلة اعتقد الإنسان أن الدم هو قوة الحياة وسرها، فكان يشرب هذا الدم بشكل دائم ليحصل على قوة العدو المهزوم . ومايدهش هو أن هذه العادة استمرت في مناطق كثيرة في افريقيا حتى في القرن العشرين من شرب الدم وربما هي عادة مازالت حتى الآن عند تلك القبائل البدائية بأن تثقب البقرة أو الثور بأبرة أو رمح ويشرب الدم مخلوطاً مع الحليب. وبينما زالت هذه العادات في المجتمعات الحديثة إلا أنها أخذت شكلا رمزيا لفظيا في التعامل مع العدو . فبعد أن ينشب نزاع عنيف بين اثنين يقول احدهم وقد نسمع هذا بشكل دائم في الأحياء الشعبية (والله لأشرب من دمه) وهي دلالة على العقيدة القديمة المستقرة في اللاوعي البشري بأن شرب دم العدو هو بمثابة أخذ كل قوته والقضاء عليه كلياً. ولذلك كلما بدأت مرحلة جديدة في التاريخ البشري نسخت ماقبلها لعدم نجاعتها واستبدلتها بعادات جديدة توافق المرحلة المٌعاشة. حيث يتم إلغاء العادات القديمة تحت مسميات التحريم الدينية وتتحول إلى تابوات يحاكم من يرتكبها . وهذه التابوات هي القيم التي خرجت منها مايسمى بالأخلاق ( راجع التابو والطوطم لفرويد) . وفي مراحل لاحقة استبدل اللحم البشري والاضحية للآلهة أو الإله بحيوان وشرب الدم بما يماثله في اللون مثل النبيذ الأحمر. وتم هذا عندما أصبح الانسان المغلوب له قيمة عملية في فلاحة الأرض والحصاد أي في انتاج الغذاء لغيره طبعاً. وبما أن الوجبات الفاخرة أصبحت الآن في الماشية التي يربيها أصبح الإله على هذه الهيئة أي يقبل الأضحية الحيوانية لأنه كان دائماً على هيئة البشر الذين يعبدونه في التاريخ القديم وله ذات الحاجات التي للبشر. وشكَل لحم الثور والكبش أفضل أنواع اللحوم، هذا إذا ادركنا اهميتهما في المراحل الطوطمية القديمة التي أخذت فيما بعد شكلاً ممزوجا من الهيئة بين البشر والحيوان للعبادة. حيث يكون الاله نصفه ثور والنصف الآخر بشر. وما أن استتبت عادة استرقاق العدو من كل العروق حتى أصبح هذا جزءاً لايتجزء من حياة اجتماعية متهيكلة على نظام الرق. وهذا ماأدى من نواحي أخرى إلى قتل كل من لايستطيع المنتصر استرقاقه حيث حصل هذا في بداية الاستيطان الاوروبي في امريكا. فقد قُتل اعداداً هائلة من الهنود الحمر لعدم المقدرة على استرقاقهم ونُوقش ذلك بالتفصيل في كتاب للكاتب (1)، واستمر هذا النظام لفاعليته إلى منتصف القرن التاسع عشر حين برزت الثورة الصناعية في اوروبا وخاصة بريطانيه فاستبدلت قوة الانسان العضلية بالآلة وبرزت المصانع في المدن وتحولت الحاجة من قوة عضلية في الأرض إلى قوة عضلية في المصانع ونتج عن ذلك كم هائل من القيم والاخلاقيات وقامت لها فلسفات عبرت عنها، ومن هذه الاخلاقيات تم ادراج قيم سياسية اصبحت مع الزمن من متطلبات الحياة الحديثة (ليبرالية، ديمقراطية، علمانية، حرية ، حقوق انسان،حقوق حيوان) . وهذه القيم التي نراها عادية وعادلة من حقوق الانسان وعدم استرقاقه كانت حالة سائدة لم
































